السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
470
مختصر الميزان في تفسير القرآن
جمع أجزائه من تراب ثم قال له كن فتكون تكونا بشريا من غير أب . فالبيان بحسب الحقيقة منحل إلى حجتين تفي كل واحدة منهما على وحدتها بنفي الألوهية عن المسيح عليه السّلام . إحداهما : أن عيسى مخلوق للّه - على ما يعلمه اللّه ولا يضل في علمه - خلقة بشر وإن فقد الأب ومن كان كذلك كان عبدا لا ربا . وثانيهما : أن خلقته لا تزيد على خلقة آدم فلو اقتضى سنخ خلقه أن يقال بألوهيته بوجه لاقتضى خلق آدم ذلك مع أنهم لا يقولون بها فيه فوجب أن لا يقولوا بها في عيسى عليه السّلام أيضا لمكان المماثلة . قوله تعالى : الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ تأكيد لمضمون الآية السابقة بعد تأكيده بأن ونحوه نظير تأكيد تفصيل القصة بقوله : ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ، الآية ؛ وفيه تطييب لنفس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بأنه على الحق ، وتشجيع له في المحاجة . وهذا أعني قوله : الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ من أبدع البيانات القرآنية حيث قيد الحق بمن الدالة على الابتداء دون غيره بأن يقال : الحق مع ربك لما فيه من شائبة الشرك ونسبة العجز اليه تعالى بحسب الحقيقة . وذلك أن هذه الأقاويل الحقة والقضايا النفس الأمرية الثابتة كائنة ما كانت وان كانت ضرورية غير ممكنة التغير عما هي عليه كقولنا : الأربعة زوج ، والواحد نصف الاثنين ، ونحو ذلك إلّا أن الإنسان إنما يقتنصها من الخارج الواقع في الوجود والوجود كله منه تعالى ، فالحق كله منه تعالى كما أن الخير كله منه ، ولذلك كان تعالى لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ، فإن فعل غيره إنما يصاحب الحق إذا كان حقا ، وأما فعله تعالى فهو الوجود الذي ليس الحق إلّا